محمد بن صالح الكناني
59
ذيل معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان
قال : وقيل : من وادي الوحش من أرض الحجاز ، وأتى من بلاده ونزل قرية فلوس شرقي صفاقس وتزوج بامرأة من قصر تنيور جوفي صفاقس ، فولدت له ولدين ذكرين ، اسم أحدهما منصور ، والآخر سعيد فانتقل سعيد هذا إلى صفاقس ، وتزوج بها امرأة ، وصار يتّجر من صفاقس إلى القيروان ، فوقعت له صحبة مع أحفاد الشيخ الحاج عطاء اللّه السّلمي بالقيروان ، وتزوج منهم امرأة ، وأقام بها مدة بالقيروان ، ثم انتقل بها إلى صفاقس فولدت له بها سيدي علي المذكور نفعنا اللّه بسرّه آمين . ثم توفيت أمه وتركته صغيرا فحضنته زوج والده في المكتب فقالت له زوجته : علّم ولدك صنعة يعيش بها ، فرفعه لمن يعمل معه صنعة نسج الكتّان على عادة أهل صفاقس ، فتعلمها وصار قلبه معلّقا بزيارة الصالحين كالإمام اللّخمي ، والشيخ سيدي علي الكراي ، والإمام ابن التين وغيرهم ؛ نفعنا اللّه بهم ، فصار يجذب كل يوم للزيارة من الصباح ، ويترك المنسج ينسج وحده ، ثم يرجع مساء ، ويدفع لوالده كل مساء مقطع كتان ، فتعجّبت منه زوجة والده وقالت لوالده : هذا لا يكون من عمل يديه ، فخرج يوما وترك بيته مغلوقا ، فجاءت بعده للبيت ونظرت من شقّ الباب ، فإذا المنسج ينسج وحده فقالت لأبيه : إن ابنك كبر سنّه ، ولا يليق أن ينام معنا في البيت ، فاجعل له بيتا ينام فيها ، ففعل ذلك فانتبهت زوجة أبيه ليلة من الليالي فسمعت ببيته كلاما ودويّا فقالت لوالده : قم واسمع هذا الكلام ببيت ولدك لعلّ معه أحدا في البيت فقال لها : اتركيه . فقالت : لا بدّ أن تذهب إليه ، ثم قامت وذهبت إليه ونظرت من شق الباب فوجدته جالسا على كرسي لا يعلم وصفه إلا اللّه تعالى ، وبإزائه كراسي كثيرة ، وديوان منصوب وهو يقول : أوليت فلانا وعزلت فلانا ، ثم التفت الشيخ إلى الباب وقال لها : كشفت السّرّ أعمى اللّه بصرك ، فصاحت صيحة عظيمة وقالت : واحسرتها على كفّ بصرها ، فخرج زوجها وعاينها ثم جاء لولده وطلب منه العفو عنها إكراما لوالده فقال له : هل تابت من شرها ؟ فقالت : أنا تائبة إلى اللّه تعالى . ففتح الباب وخرج ومسح على عينيها فرجع إليها بصرها في الحين بقدرة اللّه تعالى ، وصارت من ذلك الوقت تحبّه وتكرمه . وقال : قال : ثم تقوى به الحال ، وزاد به الانجذاب ، وصار لا يصحو إلا قليلا ، فأمره والده بالخروج إلى البلاد الواسعة ، فخرج من صفاقس وقصد محروسة تونس ، فلما بلغها فتح بها حانوت عطّار ، فجعل يبيع الشيء الكثير بالثّمن القليل ،